علي بن محمد البغدادي الماوردي
256
أدب الدنيا والدين
حلاوة دنياك مسمومة * فما تأكل الشهد إلّا بسم فكم قدر دبّ في مهلة * فلم يعلم الناس حتى هجم ومنها الأمراض التي يتغير بها الطبع كما يتغير بها الجسم فلا تبقى الأخلاق على اعتدال ولا يقدر معها على احتمال . وقد قال المتنبي : آلة العيش صحة وشباب * فإذا وليا عن المرء ولى أبدا تستردّ ما تهب الدن * يا فيا ليت جودها كان بخلا ومنها علوّ السن وحدوث الهرم لتأثيره في الجسد كذلك يكون تأثيره في أخلاق النفس فكما يضعف الجسد عن احتمال ما كان يطيقه من أثقال فكذلك تعجز النفس عن أثقال ما كنت تصبر عليه من مخالفة الوفاق ومضيق الشقاق وكذلك ما ضاهاه « 1 » وقال منصور النمري : ما كنت أوفى شبابي كنه عزته * حتى مضى فإذا الدنيا له تبع أصبحت لم تطعمي ثكل الشباب ولم * تشجى لغصته فالعذر لا يقع ما كان أقصر أيام الشباب وما * أبقى حلاوة ذكراه التي تدع ما واجه الشيب من عين وإن رمقت * إلّا لها نبوة عنه ومرتدع قد كدت تقضي على فوت الشباب أسى * لولا يعزيك أن العمر منقطع فهذه سبعة أسباب أحدثت سوء خلق كان عاما . وهاهنا سبب خاص يحدث سوء خلق خاص وهو البغض الذي تنفر منه النفس فتحدث نفورا عن المبغض فيؤول إلى سوء خلق يخصه دون غيره فإذا كان سوء الخلق حادثا بسبب كان زواله مقرونا بزوال ذلك السبب ثم بالضدّ . ( الفصل الثالث في الحياء ) أعلم ان الخير والشر معان كامنة تعرف بسمات « 2 » دالة كما قالت العرب في أمثالها : تخبر عن مجهولة مرآته وكما قال سلم بن عمرو الشاعر :
--> ( 1 ) ضاهاه : شابهه . ( 2 ) بسمات : بعلامات .